عبد الله الأنصاري الهروي
398
منازل السائرين ( شرح التلمساني )
الرّسوم / بالكليّة لا يكون إلّا في حضرة المحو ، وقد ورد في بعض التنزّلات من المواقف ، وقال لي : لو أبديت لغة العزّ لخطفت الأفهام خطف المناجل الزّرع ، ودرست المعارف درس الرّمال عصفت عليها الرّياح العواصف ، وقال لي : لو نطق ناطق العزّ لصمتت نواطق كلّ وصف ، ورجعت إلى العدم مبالغ كلّ حرف ، وقال لي : أين من أعدّ معارفه للقائي ، لو أبديت لسان الجبروت لأنكر ما عرف ، فهذه الإشارات كلّها تشير إلى خطف الأفهام ، بنور الوحدانيّة . قوله : تقطع العبارة ، يعني لا يقدر المحبّ أن يعبّر عمّا يجده ، وذلك لأنّ الأنوار قد خطفت فهمه كما ذكرنا ، والعبارة تابعة للفهم ، لأنّه لا يعبّر إلّا من له فهم ، ومن لم يبق له فهم لم تبق له عبارة . قوله : وتدفع الإشارة ، العبارة تحت مقام الإشارة ، فالعبارة أبعد ، فلا جرم كان نصيبها القطع بالكلّية ، فلذلك قال الشيخ رحمه اللّه : تقطع العبارة ، ولمّا أتى إلى ذكر الإشارة قال : وتدفع الإشارة ، ولم يقل : وتقطع الإشارة ، لأنّ مقام المحبّة يقبل بعض الإشارات ، لأنّه ما خلص إلى مقام التّوحيد بالكلّية ، بل رسوم المحبّة ومقامها يقتضي الإثنينيّة . وأنا أقول : إنّ المحقّق يعبّر عن المحبّة أتمّ عبارة ، لأنّه من أهل الصّحو بعد المحو ، ومن أهل التّمكين بعد التّلوين ، ولسانه نائب عن كلّ لسان ، وبيانه واف بكلّ ذوق . قوله : ولا تنتهي بالنّعوت ، أي لا تتنافى أوصافها ونعوتها عند المحقّق ، وأمّا المحبّ ومن دون مقام المحبّة ، فهو مخطوف الفهم عن إدراكها ، وإنّما يرى حقائق المقامات من تجاوزها ، ولا يعبّر عن المعنى تعبيرا صحيحا إلّا من وجده في ذاته وجدانا صحيحا :